السيد علي عاشور

120

موسوعة أهل البيت ( ع )

كثرت عليّ الكذابة ، فمن كذب عليّ متعمّدا فليتبوأ مقعده من النّار ، ثمّ كذب عليه من بعده . وإنّما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس : رجل منافق يظهر الإيمان متصنّع بالإسلام ، لا يتأثم ولا يتحرج أن يكذب على رسول اللّه متعمدا ، فلو علم النّاس أنّه منافق كذاب لم يقبلوا منه ولم يصدّقوه ، ولكنهم قالوا هذا قد صحب رسول اللّه ورآه وسمع منه ، فيأخذون عنه وهم لا يعرفون حاله ، وقد أخبر اللّه عن المنافقين بما أخبره ووصفهم بما وصفهم فقال تعالى : وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ « 1 » . ثم بقيوا بعده فتقربوا إلى أئمّة الضلالة والدعاة إلى النّار بالزور والكذب والبهتان ، فولوهم الأعمال وحملوهم على رقاب النّاس ، وأكلوا بهم الدّنيا وإنّما النّاس مع الملوك والدّنيا إلا من عصم اللّه فهذا أحد الأربعة . ورجل سمع من رسول اللّه شيئا لم يحمله على وجهه ووهم فيه ، ولم يتعمّد كذبا فهو في يده يقول ويعمل به ويرويه ، ويقول أنا سمعته من رسول اللّه فلو علم المسلمون أنّه وهم لم يقبلوه ولو علم هو أنه وهم لرفضه . ورجل ثالث سمع من رسول اللّه شيئا أمر به ثمّ نهى عنه وهو لا يعلم ، أو سمعه ينهى عن شيء ثمّ أمر به وهو لا يعلم ، فحفظ منسوخه ولم يحفظ النّاسخ ، فلو علم أنّه منسوخ لرفضه ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنّه منسوخ لرفضوه . وآخر رابع لم يكذب على رسول اللّه ، مبغض للكذب خوفا من اللّه وتعظيما لرسوله ، لم ينسه بل حفظ ما سمع على وجهه ، فجاء به كما سمع لم يزد فيه ولم ينقص منه ، وعلم الناسخ والمنسوخ وعمل بالنّاسخ ورفض المنسوخ ، فإنّ أمر النّبيّ مثل القرآن ناسخ ومنسوخ وخاص وعام ومحكم ومتشابه ، قد كان يكون من رسول اللّه : الكلام له وجهان كلام عام وكلام خاصّ مثل القرآن ، وقال اللّه تعالى في كتابه وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا . فيشتبه على من لم يعرف ولم يدر ما عنى اللّه به ورسوله . وليس كلّ أصحاب رسول اللّه كان يسأل عن الشئ فيفهم ، وكان منهم من يسأله ولا يستفهمه ، حتّى أن كانوا ليحبّون أن يجي الأعرابي والطاري فيسأل رسول اللّه حتّى يسمعوا « 2 » . أقول : إنّه يذكر بعد قوله حتّى يسمعوا : منزلته عند النّبي وسنذكر هذا الذيل أيضا في محلّه ، فبما حررناه دريت أنّ الكتاب والسنّة غير وافيين بكل الأحكام ، مع أنّ للّه تعالى في كلّ واقعة حكما يجب تحصيله فهما يحتاجان إلى قيّم .

--> ( 1 ) سورة المنافقون ، الآية : 4 . ( 2 ) نهج البلاغة : 2 / 191 ح 210 ، والكافي : 1 / 64 .